Skip to main content
تبرعوا الآن

اعتقالات الحوثيين توقف المساعدات في اليمن المنكوب بالأزمات

اعتقالات تعسفية واخفاءات قسرية لموظفي الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني

مركبة أمنية أمام مجمع "الأمم المتحدة" في صنعاء، اليمن، عقب تقارير عن احتجاز موظفي أمميين من قبل الحوثيين، 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025. © 2025 رويترز/خالد عبد الله
  • اعتقلت السلطات الحوثية تعسفيا ما لا يقل عن 69 موظفا من "الأمم المتحدة" وعشرات موظفي المجتمع المدني خلال الأشهر الـ 18 الماضية ولم توفر لهم الإجراءات القانونية الواجبة.
  • تصعيد الحوثيين لاعتقالات أعضاء المجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة قد يُفاقم أزمة المساعدات الإنسانية في اليمن، وهي أصلا من الأسوأ في العالم.
  • من الضروري أن تتخذ الأمم المتحدة والمنظمات المستقلة العاملة في اليمن والحكومات المعنية كل الإجراءات الممكنة لضمان الإفراج عن المحتجزين.

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن تكثيف الحوثيين اعتقالات موظفين من المجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة ساهم في تفاقم أزمة المساعدات الإنسانية في اليمن، وهي أصلا من الأسوأ في العالم. 

حتى 4 يناير/كانون الثاني، اعتُقل ما لا يقل عن 69 موظفا في الأمم المتحدة، جميعهم يمنيون، تعسفيا، إلى جانب عشرات الموظفين اليمنيين في منظمات غير حكومية دولية ومحلية، ويواجه العديد منهم اتهامات لا أساس لها بالتجسس. في الأشهر الأخيرة، داهم الحوثيون أيضا مقر الإقامة المشترك لوكالات الأمم المتحدة في صنعاء، ومكاتب عدة وكالات أممية ومنظمات غير حكومية دولية ومنظمات مجتمع مدني محلية، واستولوا في بعض الحالات على معداتهم.

قالت نيكو جعفرنيا، باحثة اليمن والبحرين في هيومن رايتس ووتش: "يحتجز الحوثيون عمال الإغاثة الذين يقدمون دعما منقذا للحياة للشعب اليمني، بينما يتقاعسون عن توفير الاحتياجات الأساسية لمن يعيشون في مناطق سيطرتهم. عليهم الإفراج فورا عن عشرات الأشخاص الذين احتجزوهم تعسفيا، وإنهاء عرقلتهم المستمرة لعمليات إيصال المساعدات".

يأتي احتجاز الحوثيين لموظفي الأمم المتحدة والمجتمع المدني في وقت تتفاقم فيه مستويات الجوع في اليمن. في أحدث تقرير عالمي عن الجوع، حذّر "برنامج الأغذية العالمي" و"منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة" (الفاو) من أن "حالة انعدام الأمن الغذائي الحاد والخطيرة بالفعل من المتوقع أن تتدهور أكثر خلال الفترة المشمولة بالدراسة (نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى مايو/أيار 2026) مع توقع بأن تواجه شرائح من السكان كارثة" في أربع مديريات تحت سيطرة الحوثيين.

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى 36 شخصا، بينهم أقارب وأصدقاء المحتجزين، وعمال إغاثة، ودبلوماسيون، ومحامون ونشطاء مُطلعون على القضايا. راجعت هيومن رايتس ووتش أيضا منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي لعدد من أقارب المحتجزين بشأن ذويهم.  

قالت عدة مصادر إن تصرفات الحوثيين حالت دون تنفيذ الأمم المتحدة عملها على أكمل وجه بسبب المخاطر التي يواجهها موظفوها في مناطق سيطرة الحوثيين. قالت المصادر إن موظفي الأمم المتحدة لا يمكنهم الذهاب إلى مكاتبهم أو التنقل بحرية خوفا من الاعتقال، مما يؤثر على قدرتهم على تقديم المساعدات.

في كثير من الحالات، فرّ يمنيون يعملون لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية من مناطق سيطرة الحوثيين إلى مناطق جنوب اليمن أو إلى الخارج نتيجة لحملة الاعتقالات الواسعة التي يشنها الحوثيون. 

في يوليو/تموز 2024، قبل تعليق الأمم المتحدة لأنشطتها في إحدى المناطق وتصنيف الولايات المتحدة للحوثيين كمنظمة إرهابية، كانت 15 منظمة تابعة للأمم المتحدة ومنظمات إغاثة أخرى تعمل في 14 مديرية في المحافظة، مع 26 برنامجا يعمل في مجالات الأمن الغذائي والتغذية، والمياه والصرف الصحي، والصحة، والمأوى. في يوليو/تموز 2025، لم يتبقَ سوى منظمتين تعملان في ثلاث مديريات من المحافظة في مجالَيْ الصحة والتغذية.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، آخر مرة أصدر فيها "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، الذي يضم أبرز خبراء العالم في مجال انعدام الأمن الغذائي، تقريرا عن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين قبل 2025، توقّع التصنيف أن 63% من سكان صعدة كانوا يعيشون في مستويات الأزمة من انعدام الأمن الغذائي أو أعلى، مع تصنيف الغالبية العظمى من المحتاجين على أنهم في المرحلة الثالثة من التصنيف (مستوى الأزمة). في يونيو/حزيران 2025، انعكست خريطة التصنيف لمحافظة صعدة – حيث كان من المتوقع أن تكون غالبية السكان في المرحلة الرابعة من التصنيف (مستوى الطوارئ)، مع وجود نسبة أقل في المرحلة الثالثة. 

أثرت اعتقالات الحوثيين سلبا على قدرة منظمات الإغاثة على تقديم المساعدات إلى السكان في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، رغم الاحتياجات الشديدة والمتزايدة. 

في أكتوبر/تشرين الأول، قال عبد الواحد أبو راس، القائم بأعمال وزير الخارجية في حكومة الحوثيين، لـ"رويترز" إن الحوثيين يدعمون تقديم المساعدات الإنسانية، وسوف "يساعدون المنظمات الملتزمة بمبادئ العمل الإنساني، ويسهلون أنشطتها وعملها". 

عارضت معظم المصادر العاملة في منظمات الإغاثة هذا التصريح، قائلة إن حملة الاعتقالات والمداهمات أثرت بشدة على قدرتها على العمل. 

علاوة على ذلك، احتل الحوثيون مكاتب وكالات الأمم المتحدة، وكذلك مقر الإقامة المشترك للأمم المتحدة في صنعاء – المجمع السكني الذي كان يعيش فيه العديد من موظفي الأمم المتحدة الدوليين. استولى الحوثيون على معدات، من ضمنها لابتوبات وراوترات وأجهزة أخرى من وكالات الأمم المتحدة وكذلك المنظمات غير الحكومية، مما شل قدرتها على الاتصال والوصول إلى البيانات والمعلومات اللازمة لتنفيذ عملياتها.

قال أحد الأشخاص الذين تمت مقابلتهم إن "[الحوثيين] احتلوا مكاتب أكبر وكالتين أمميتين. واستولوا على مركبات بعض الوكالات. وصادروا المعدات [التكنولوجية]... لذا، فإن النتيجة المباشرة لما فعلوه حتى الآن، هي أن أنشطة الحوثيين قد شلت بشكل أساسي العمليات الإنسانية".

قال عامل إغاثة: "لا يمكنني أن أطلب من زملائي أي شكل من أشكال البيانات لإعداد التقارير. تستيقظ فجأة في الصباح ولا تجد مكتبا، ولا معدات، ولا فريقا".

قال عامل إغاثة نزح من صنعاء بسبب المخاطر التي فرضها الحوثيون على المجتمع المدني: "في منتصف الليل، حزمت كل حياتي في حقيبتين وبكيت... ما زلت أتذكر أصدقائي وأهلي المسجونين بسبب قيامهم بعملهم. بلدي الحبيب في حالة خراب".

قالت عدة مصادر إن الحوثيين طلبوا من العديد من موظفي الأمم المتحدة الذين بقوا في المناطق التي يسيطرون عليها التوقيع على وثائق تفيد بأنهم لن يغادروا المنطقة. قالت بعض وكالات الإغاثة التي ظلت تعمل في مناطق سيطرة الحوثيين إن استمرار اعتقال ومضايقة موظفي وكالات الإغاثة سيجبرها على إعادة تقييم قدرتها على الاستمرار في العمل في المنطقة. 

قال شخص يعمل في مجال الرعاية الصحية: "الوضع كارثي بالفعل. تفشي الكوليرا وسوء التغذية وما إلى ذلك. بدون [المنظمة] وشركاء آخرين في قطاع الصحة، سينهار القطاع الصحي في شمال اليمن". تدعم المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة حاليا عددا كبيرا من المستشفيات والعيادات الصحية في جميع أنحاء مناطق سيطرة الحوثيين.

في بيان مشترك نُشر في أكتوبر/تشرين الأول، قالت أكثر من 30 منظمة إغاثة في اليمن إنه وفقا لبحث أجري في أغسطس/آب 2025، "تواجه أكثر من 100 مديرية في اليمن حاليا حالة طوارئ غذائية حرجة، وزيادة غير مسبوقة في مستويات سوء التغذية في جميع أنحاء البلاد". قالت المنظمات إن في مديرية عبس بمحافظة حجة، "توفي أطفال جوعا مع ارتفاع معدلات سوء التغذية، بينما في الحديدة وتعز، من المتوقع أن يرتفع معدل سوء التغذية الحاد بـ 15 إلى 30% بحلول نهاية العام".

أشارت المنظمات إلى أنه "مع أن الظروف صعبة في جميع أنحاء اليمن، فإن استمرار احتجاز العاملين في المجال الإنساني في المحافظات الشمالية [مناطق سيطرة الحوثيين] زاد من عرقلة عمليات الإغاثة المنقذة للحياة". 

تستمر أعمال الحوثيين في نمط مقلق يتمثل في قمع الحيز المدني في اليمن واستهداف وحشيا للعاملين في المجالين الحقوقي والإنساني بتهم تجسس لا أساس لها. 

قالت هيومن رايتس ووتش إنه من الضروري أن تتخذ الأمم المتحدة والمنظمات المستقلة العاملة في اليمن والحكومات المعنية كل الإجراءات التي في وسعها لضمان الإفراج عن المحتجزين. على عُمان، التي كانت وسيطا في المفاوضات بين الحوثيين والأطراف المتحاربة الأخرى، أن تعمل مع الدول الأخرى بشكل جماعي لضمان إفراج الحوثيين عن المحتجزين.

الاختفاء القسري، أي عندما تحتجز السلطات شخصا ثم ترفض الإفصاح عن مكان وجوده أو وضعه عند السؤال عنه، هو جريمة خطيرة بموجب القانون الدولي ومحظور في جميع الأوقات بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. 

اعتقال شخص دون مذكرة توقيف وتوجيه تهم واضحة يعتبر انتهاكا للمادة 132 من قانون الإجراءات الجنائية اليمني. 

قالت جعفرنيا: "باستهدافهم العاملين في مجال الإغاثة، يستهدف الحوثيون أيضا العديد من اليمنيين الذين يعتمدون على المساعدات التي يقدمونها. على المجتمع الدولي، لا سيما حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن يبذلوا كل ما في وسعهم لضمان الإفراج الفوري عن العشرات من موظفي الأمم المتحدة والمجتمع المدني المحتجزين تعسفيا".

اعتقالات موظفي وكالات الإغاثة

بدءا من 31 مايو/أيار 2024، اعتقلت قوات الأمن الحوثية وأخفت قسرا العديد من موظفين منظمات المجتمع المدني اليمني. ثم في 6 يونيو/حزيران، اعتقلت عشرات الأشخاص، بينهم ما لا يقل عن 13 موظفا في الأمم المتحدة والعديد من موظفي المنظمات غير الحكومية.

ثم احتجز الحوثيون ما لا يقل عن ثمانية موظفين في الأمم المتحدة بين 23 و25 يناير/كانون الثاني 2025. جاءت هذه الموجة الجديدة من الاعتقالات بعد أن أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية أجنبية" عبر أمر تنفيذي صدر في 22 يناير/كانون الثاني 2025، بسبب أفعالهم المتمثلة بإطلاق النار على سفن حربية أمريكية في البحر الأحمر. توفي أحد موظفي الأمم المتحدة المحتجزين في يناير/كانون الثاني، وهو موظف في برنامج الغذاء العالمي، أثناء احتجازه لدى الحوثيين في 11 فبراير/شباط. 

بسبب هذه الاعتقالات والمخاطر المستمرة التي يتعرض لها موظفوها، علّقت الأمم المتحدة أنشطتها في صعدة، وهي محافظة في شمال اليمن، حيث يواجه آلاف الأشخاص مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي ويعتمدون على مساعدات الأمم المتحدة للبقاء على قيد الحياة.

في 31 أغسطس/آب، بدأ الحوثيون موجة جديدة من الاعتقالات والمداهمات لمكاتب الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية. داهمت قوات الحوثيين عدة مكاتب للأمم المتحدة واعتقلت ما لا يقل عن 19 موظفا من موظفي الأمم المتحدة. بالإضافة إلى المعتقلين، احتُجز العديد من موظفي الأمم المتحدة واستُجوبوا لعدة أيام داخل مكاتب الأمم المتحدة. 

بين سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول، واصل الحوثيون اعتقال موظفي الأمم المتحدة، وداهموا عدة مكاتب للأمم المتحدة ومجمّع الأمم المتحدة في صنعاء، وصادروا أجهزة واحتجزوا بعض الموظفين هناك في اعتقال تعسفي لعدة أيام لاستجوابهم. في نوفمبر/تشرين الثاني، داهم الحوثيون أيضا مكاتب جميع المنظمات الدولية العاملة في المناطق التي يسيطرون عليها، بما يشمل "أطباء بلا حدود" و"اللجنة الدولية للصليب الأحمر".

بدأت موجة جديدة من الاعتقالات بعد ثلاثة أيام من شن الجيش الإسرائيلي هجمات على العاصمة صنعاء، أسفرت عن مقتل رئيس وزراء الحوثيين، أحمد الرهوي، وعدة وزراء آخرين في الحكومة. 

في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، داهم الحوثيون أيضا مكتب "مركز دال للدراسات الاجتماعية"، وهو منظمة مجتمع مدني في صنعاء، واعتقلوا الدكتور حمود العودي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء وأحد قادة المجتمع المدني في اليمن، مع اثنين من زملائه، عبد الرحمن العلفي وأنور خالد شعب. بعد ثلاثة أسابيع من الاحتجاز في الحبس الانفرادي، أُفرج عن العودي والعلفي، لكن شعب لا يزال رهن الاحتجاز. 

وجدت هيومن رايتس ووتش أن العديد من الأفراد اعتقلوا دون إظهار مذكرات توقيف لهم واختفوا قسرا لعدة أشهر. وفي حين تلقى بعضهم رعاية طبية، لم يحصل الكثيرون على رعاية طبية، بمن فيهم بعض المحتجزين الذين لديهم حالات طبية خطيرة. 

لم تكن أي من المصادر التي تحدثت إليها هيومن رايتس ووتش على علم بتمكّن أي محتجزين من التواصل مع محامين.

في نوفمبر/تشرين الثاني، أجرت المحكمة الجزائية المتخصصة التابعة للحوثيين محاكمات جائرة لـ 21 محتجزا (غير متصلة بموظفي الأمم المتحدة والمجتمع المدني المحتجزين)، وحكمت على 17 منهم بالإعدام. اتُهم العديد منهم بالتجسس دون أساس واضح ودون إتاحة فرصة كافية للإجراءات القانونية الواجبة.

في ديسمبر/كانون الأول، أحال الحوثيون قضايا 13 محتجزا آخر، من ضمنهم ثلاثة موظفين أممين، إلى المحكمة الجزائية المتخصصة.

أزمة مساعدات مركّبة وتفاقم الجوع

تزامنت اعتقالات الحوثيين، وربما جاءت في بعض الحالات ردا على تصنيف الولايات المتحدة للحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، مما أدى إلى إجبار العديد من منظمات الإغاثة على تقليص عملياتها في الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون. تزامنت الاعتقالات أيضا مع خفض الولايات المتحدة مساعداتها الخارجية، الأمر الذي ساهم، إلى جانب تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، في بعض الحالات في قرار دول أخرى بالانسحاب أو خفض تمويل المساعدات في اليمن. كان لهذه الإجراءات مجتمعة تأثير مدمر على المساعدات في البلاد على الرغم من الاحتياجات الشديدة والمتزايدة. 

قالت عدة مصادر في قطاع المساعدات الإنسانية في اليمن إن الاعتقالات وتصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية وخفض المساعدات، أجبرتهم على تقليص عملياتهم في اليمن، خاصة في مناطق سيطرة الحوثيين، مما أدى إلى وقف بعض البرامج الصحية الأساسية وبرامج المياه والصرف الصحي. 

قال أحد المصادر إن المنظمة التي يعمل معها "اضطرت إلى إغلاق عملياتها في الشمال [مناطق سيطرة الحوثيين] والانتقال إلى الجنوب"، نتيجة لنقص التمويل وإدراجها في قائمة المنظمات الإرهابية، بالإضافة إلى احتجاز الحوثيين لموظفي الأمم المتحدة والمجتمع المدني. 

في تقريرهما الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وجد برنامج الأغذية العالمي والفاو أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن من المتوقع أن تتفاقم في الأشهر المقبلة. ذكرت المنظمتان أن العوامل التي تساهم في تفاقم أزمة الجوع تشمل: "التدهور الاقتصادي، وتصاعد النزاع، والعقوبات الاقتصادية، والظروف الجوية السيئة، ونزوح السكان، وتعطل سلاسل الإمداد التي تقيّد الوصول إلى الأسواق، وسط قيود شديدة على الوصول الإنساني وانهيار شبكات الأمان".

استهداف العاملين في مجال الإغاثة

كان العديد من المحتجزين يقدمون مساعدات إنسانية أو يدعمون قطاعي الصحة والتعليم في اليمن، وقد أدى اعتقالهم إلى فقدان القدرة على تقديم المساعدات في اليمن. 

كان عمار ناصر قد عمل مع برنامج الأغذية العالمي في غزة من مارس/آذار إلى يوليو/تموز 2025، قبل أن يعود إلى اليمن للعمل في البرنامج في صنعاء كمسؤول عن السلامة والأمن. اعتُقل تعسفيا في 31 أغسطس/آب، وهو واحد من 15 موظفا أمميا اعتُقلوا عندما داهم الحوثيون مكاتب برنامج الأغذية العالمي واليونيسف في صنعاء والحديدة. في خطاب متلفز، اتهم عبد الملك الحوثي، زعيم الحوثيين، برنامج الأغذية العالمي تحديدا، بما يشمل مسؤول السلامة والأمن، بالضلوع في هجوم القوات الإسرائيلية على عدة وزراء حوثيين في 28 أغسطس/آب. 

قالت هند الخضري، وهي صحفية فلسطينية بارزة في غزة، لـ هيومن رايتس ووتش إنها عملت مع ناصر في برنامج الأغذية العالمي لعدة أشهر في غزة، وتهجّرت معه. قالت في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي:

عمار إنسان إنساني حقيقي عمل ليل نهار لضمان حصول سكان غزة على الغذاء الذي يحتاجونه. عندما لم يكن يعمل، كان يهتم بالناس، ويضحك مع الأطفال، ويشاركهم قصص حبه لليمن وفلسطين. كل من قابله في غزة يتذكر لطفه وتفانيه وولائه للشعب الفلسطيني. واليوم، يُعاقب على إنسانيته. "الدليل" الوحيد ضده أنه خدم سكان غزة بشرف ورحمة.

أمضى أحد المحتجزين، وهو خبير في الصحة العامة، أكثر من عقدين من الزمن في تنفيذ مشاريع ووضع سياسات تركز على تحسين الصحة في اليمن وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. اعتقلته قوات الحوثيين في 8 يونيو/حزيران 2024، ثم أخفته لمدة سبعة أشهر. منذ ذلك الحين، لم تُجر زوجته سوى عدد قليل من المكالمات الهاتفية معه، استمرت كل منها بضع دقائق فقط. لم يتلق أي رعاية صحية أو أدوية، رغم إصابته بالزرق (الغلوكوما)، ولم يتمكن من التواصل مع محام. قالت زوجته:

عمل [زوجي] على تعزيز برامج الصحة العامة في اليمن منذ أوائل الألفية الثانية حتى اعتقاله. وافقت وزارة الصحة التابعة للحوثيين على جميع هذه المشاريع. لم يكن أي منها سريا. كان كل مشروع تحت إشرافهم. أصبح إنقاذ حياة الأطفال جريمة الآن.

أحد المحتجزين الآخرين كان يعمل استشاريا لعدة منظمات غير حكومية، وقد اعتُقل واختفى من منزله في 8 يونيو/حزيران 2024. قال ابنه إن والده كان يعمل في [برامج متصلة] بـ "التعليم وحقوق المرأة وحقوق الطفل. جميع البرامج التي تدافع عن حقوق الناس". قال إن عمل والده شمل "دفع رواتب للمعلمين الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ بدء الحرب". 

قال ابن محتجز آخر إن والده كان يعمل مع الأمم المتحدة لأنه "شعر أنه يقوم بشيء جيد [لبلده]، وكان يستمتع حقا بما يفعله، رغم أنه لم يكن سهلا". قال إنه على الرغم من أن والده تلقى عروض عمل خارج اليمن، إلا أنه لم يقبلها أبدا لأنه أراد البقاء في وطنه. 

تاريخ من عرقلة المساعدات الإنسانية

وثقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى أن الحوثيين عرقلوا المساعدات الإنسانية لعدة سنوات، على الرغم من الأزمات الصحية الكارثية المستمرة. 

تحتاج المنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية إلى موافقة السلطات الحوثية على كل شيء، بدءا من ورش العمل التي تخطط لعقدها وحتى تنقل موظفيها لتنفيذ المشاريع التي وافق عليها الحوثيون بالفعل. 

قال أحد العاملين في مجال المساعدات الإنسانية: "نحاول أن نكون صريحين للغاية مع السلطات بشأن كل ما نقوم به، وشفافين للغاية. علينا الحصول على تصاريح لكل شيء. عملنا في الشمال يعوقه هذا الأمر وقيود المحرم [القيود المفروضة على حرية حركة النساء]". قدمت عدة مصادر أخرى من منظمات مختلفة روايات مماثلة. 

قال موظف في الأمم المتحدة عن زميله المحتجز: "كان زميلنا... على اتصال كامل بالسلطات ويطلعها على كل شيء، وكان دائما يطلب الإذن لكل ما يفعله".

على مر السنين، أخبرت عدة مصادر هيومن رايتس ووتش أن الحوثيين تدخلوا في عمليات التوظيف ومناقصات البرامج، وتلاعبوا بقوائم المستفيدين، وعرقلوا وقيّدوا تنفيذ عمليات أساسية مثل تقييمات الاحتياجات الخارجية. 

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، كشفت رويترز أن الحوثيين "استخدموا المساعدات الغذائية الدولية لإجبار الأهالي على تسليم أطفالهم ليكونوا جنودا في قواتهم المسلحة"، استنادا إلى "مقابلات مع مئات اليمنيين" الذين فروا من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. ذكرت رويترز أيضا أنه بناء على "مقابلات مع مدنيين يمنيين وعشرات من العاملين في مجال الإغاثة، بالإضافة إلى مراجعة وثائق داخلية لوكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، كشفت... أن [الحوثيين] يفرضون مجموعة من الضرائب على رعاياهم الفقراء، ويتلاعبون بنظام المساعدات الدولية، ويسجنون المئات". 

تؤكد أبحاث هيومن رايتس ووتش هذه الممارسة. 

علق برنامج الأغذية العالمي مساعداته في اليمن جزئيا مرتين خلال السنوات الست الماضية. في 2019، صرح البرنامج صراحة أن تعليق المساعدات كان بسبب تحويلها عن مسارها. قال ديفيد بيزلي، رئيس برنامج الأغذية العالمي آنذاك، لـ"مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" إن الحوثيين يحولون المساعدات الغذائية "بعيدا عن أفواه الأولاد والبنات الصغار الجائعين"، وإن السلطات الحوثية لا تحترم الاتفاقات التي أبرمتها مع الأمم المتحدة. 

في 2023، أوقف برنامج الأغذية العالمي مساعداته مرة أخرى، معلنا أن ذلك كان نتيجة لمحدودية التمويل وعدم القدرة على التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين "من أجل تنفيذ برنامج أصغر يتناسب مع الموارد المتاحة للأسر الأكثر ضعفا واحتياجا". أفادت عدة مصادر لـ هيومن رايتس ووتش أن الانسحاب كان مرتبطا بخلافات حول قوائم المستفيدين واستمرار الحوثيين في استخدام المساعدات لتجنيد مقاتلين لقواتهم. 

اتهامات تجسس لا أساس لها

رافقت الاعتقالات حملة إعلامية مستمرة بقيادة الحوثيين تتهم المنظمات الإنسانية وموظفيها بـ"التآمر" ضد مصالح البلاد من خلال مشاريعهم. بعد الموجة الأولى من الاعتقالات، في 10 يونيو/حزيران 2024، أعلن جهاز الأمن والمخابرات الحوثي "اكتشاف" ما أسماه "شبكة تجسس". وبعد يومين، بثت قناة المسيرة التلفزيونية، وهي قناة تابعة للحوثيين، مقطع فيديو يظهر مجموعة أخرى من المحتجزين "يعترفون" بالتجسس. اعتُقلت هذه المجموعة بين عامي 2021 و2023، واحتُجزت منذ ذلك الحين بمعزل عن العالم الخارجي.

في أغسطس/آب 2024، كرر "المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي" الذي يديره الحوثيون سياساتهم التقييدية بشأن الأنشطة الإنسانية في اجتماعات استمرت خمسة أيام مع موظفي الأمم المتحدة وموظفي منظمات دولية أخرى، محذرين إياهم من "مخاطر التجسس التي قد يتم استغلالها في إطار العمل الإنساني".

شملت الأدلة المزعومة التي ظهرت في الفيديوهات التي تتهمهم بالتجسس خطابات توصية من أصحاب عملهم الحاليين أو السابقين، بما يشمل السفارة الأمريكية في اليمن، تشير إلى المشاريع التي عملوا عليها، وتوصي بتوظيفهم في المستقبل ومنحهم تأشيرات. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تأكيد صحة هذه الوثائق، لكنها لا تبدو أنها تحتوي على أدلة على التجسس.

في بيان صدر في 14 يونيو/حزيران 2024، شدد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك على أن "البث العلني في 10 و12 يونيو/حزيران لتصريحات تم انتزاعها في ظروف من الإكراه المتأصل من زميلنا المحتجز بمعزل عن العالم الخارجي، ومن آخرين محتجزين منذ العام 2021، أمر غير مقبول إطلاقا، وهو يشكل في حد ذاته انتهاكا لحقوق الإنسان".

أخبر مصدران هيومن رايتس ووتش أن عائلات بعض المحتجزين أُبلغت بأن أفراد أسرهم المحتجزين ربما أُجبرتهم السلطات أيضا على الاعتراف في فيديو، على الرغم من عدم تمكنهم من الاتصال بمحامين. نشر الحوثيون أيضا فيديو لمحتجزين آخرين يعترفون بالتجسس وتهم أخرى، مما يشير إلى استمرار ممارسة الاعترافات القسرية.

وثقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى، بما في ذلك فريق الخبراء البارزين السابقين المعني باليمن التابع للأمم المتحدة، استخدام الحوثيين للتعذيب للحصول على معلومات أو اعترافات. في تقريرهم لعام 2020، قال الخبراء إنهم "تحققوا من تعرض 14 رجلا وصبيا للتعذيب، بما في ذلك العنف الجنسي في ثماني حالات، لانتزاع اعترافات خطية أو معاقبتهم، في سياق وُجّهت إليهم فيه اتهامات بالانتماء إلى جماعات سياسية وعسكرية مختلفة".

استغل الحوثيون هجمات القوات الإسرائيلية لمحاولة تبرير الاعتقالات واتهامات التجسس، فضلا عن تصعيد قمعهم لليمنيين الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

في 16 أكتوبر/تشرين الأول، زعم عبد الملك الحوثي، زعيم الحوثيين، في بيان متلفز أن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية متورطة في التجسس وتقوم بأنشطة رصد واستخبارات. وعلى وجه الخصوص، زعم أن "خلية تابعة لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة كان لها الدور الأساس في استهداف القوات الإسرائيلية وقتلها لعدد من وزراء الحوثيين". وأضاف أن "هذه المنظمات زودت بأجهزة ووسائل للرصد والاستهداف التي تُستخدم عادة لدى أجهزة الاستخبارات العالمية ".

نشر نصر الدين عامر، وهو مسؤول حوثي رفيع المستوى، تغريدة على حسابه على إكس قال فيها إن "(...) منظمات تعمل ظاهريا تحت مسمى العمل الإغاثي والإنساني، بينما في حقيقة الأمر أنها منظمات ذات طبيعة عسكرية واستخباراتية".

لم تقدم السلطات الحوثية أدلة واضحة علنا لدعم هذه الادعاءات، وعلى حد علم المصادر التي تحدثت إلى هيومن رايتس ووتش، لم توجه اتهامات رسمية أو لم توفر الإجراءات القانونية الواجبة لموظفي برنامج الأغذية العالمي أو أي موظفين آخرين في الأمم المتحدة احتجزتهم للطعن في هذه الاتهامات.

تبث قناة المسيرة فيديوهات وتقارير إعلامية تتهم الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بالتجسس وتصور موظفيها على أنهم جواسيس. 

منذ 2015، وثقت عدة منظمات حقوقية، منها منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، و"مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" ومركز الخليج لحقوق الإنسان، عشرات القضايا التي شملت صحفيين ومدافعين حقوقيين ومعارضين سياسيين وأفراد من الأقليات الدينية الذين خضعوا لمحاكمات جائرة في محاكم يسيطر عليها الحوثيون بتهم تعسفية. في جميع هذه القضايا، يفترض أن سلطات الادعاء الحوثية قد وجهت تهم التجسس لاضطهاد المعارضين السياسيين وإسكات المعارضة السلمية.

الجدير بالذكر أن المحكمة الجزائية المتخصصة أصدرت في 1 يونيو/حزيران 2024 أحكاما بالإعدام على 44 شخصا بتهم تجسس ملفقة عقب محاكمة جماعية جائرة. وحُكم على 16 شخصا غيابيا، بينما مثل 28 شخصا أمام "المحكمة الجزائية المتخصصة".

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

الموضوع