Skip to main content
تبرعوا الآن

زواج بلا ضمانات: تبعات مدونة الأحوال الشخصية العراقية

نُشر في: Jummar Media
امرأة تمشي حاملة لافتة بينما يتظاهر نشطاء ضد زواج الطفلات في ساحة التحرير بوسط بغداد، في 28 يوليو/تموز 2024.  © 2024 أحمد الرباعي/وكالة فرانس برس عبر غيتي إيمدجز

"لم أتوقع أن أشهد زواج طفلة حين ذهبتُ إلى إحدى المحاكم لإجراء مقابلة مع قاضٍ"... تكتب سارة صنبر عن الكلفة التي دفعتها النساء والأطفال في العراق بعد تعديل قانون الأحوال الشخصية، حيث تآكلت الضمانات القانونية واتّسعت مسارات زواج القاصرات خارج الحماية المدنية.

حين ذهبتُ إلى إحدى محاكم بغداد في أيار 2023 لإجراء مقابلة مع قاضٍ، لم أتوقع أن أشهد زواج طفلة.  

وافق القاضي على التحدث مع “هيومن رايتس ووتش” بشأن الزيجات غير المسجلة، وهي زيجات يعقدها رجال الدين دون تسجيلها رسمياً لدى محكمة الأحوال الشخصية. يتقبل المجتمع العراقي هذه الزيجات ويعتبرها صحيحة، لكنها لا تملك أي صفة قانونية ما لم يُصدق عقد الزواج في محكمة الأحوال الشخصية.  

أجاب القاضي عن أسئلتنا، وشرح آلية تصديق عقد الزواج، مؤكداً أن الإجراء بسيط، وأصرّ أن يرينا مدى بساطته عملياً. ارتدى عباءته، وطلب من مساعده إدخال الزوجين التاليين الواقفين في الطابور، متجاهلاً اعتراضاتنا بأن حضورنا قد يمسّ خصوصيتهما.  

دخلت فتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، علامات الحمل واضحة عليها، برفقة والدها وزوجها البالغ من العمر 20 عاماً. كان الاثنان قد تزوجا قبل عام دون تسجيل الزواج رسمياً، وجاءا اليوم لتوثيق الزواج قانونياً قبل ولادة طفلهما. دون أي تدقيق معمق في ظروف الزواج أو في رغبات العروس القاصر، سأل القاضي الفتاة ووالدها وزوجها إن كانوا موافقين على الزواج، ثم صادق على العقد.  

أخبرني القاضي في وقت سابق أن زواج الأطفال هو الدافع الأساسي للزيجات غير المسجلة التي يعقدها رجال دين خارج المحكمة. في 2021، أفادت “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق” (يونامي) أن 33.9 بالمئة من الزيجات في العراق غير مسجلة، وأن 22 بالمئة منها تشمل فتيات دون سن الـ14.  

غالباً ما يلجأ الأهالي الراغبون في تزويج بناتهم القاصرات إلى عقد زواج ديني أولاً، ثم تصديقه لاحقاً في محكمة الأحوال الشخصية بعد بلوغ الفتاة سن الـ18، أو في حال حملها.  

عندما يمثل مثل هذين الزوجين أمام المحكمة، لا سيما إذا كانت الزوجة حاملاً، فلا حل أمام القاضي سوى تصديق الزواج. دون شهادة زواج رسمية لا تستطيع الفتاة الولادة في مستشفى حكومي، ولن يتمكن طفلهما من الحصول على شهادة ولادة، ما يجعله عرضة للبقاء من دون جنسية.  

في المقابل، فإن تصديق عقود الزواج الديني لفتيات دون الـ18 يضعف سيادة القانون، ويُقوّض الجهود المبذولة للحد من زواج الأطفال في العراق.  

نظراً لقلة الخيارات المتاحة، آثر معظم القضاة تقنين هذه الزيجات.  

عندما كنتُ أشاهد القاضي يُصادق على هذا الزواج، كانت الزيجات الدينية خارج المحاكم غير قانونية بموجب قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959. لكن في كانون الثاني 2025، أقرّ البرلمان تعديلاً يُضفي الشرعية عليها. أدى هذا التعديل إلى إنشاء نظام موازٍ ومتناقض للأحوال الشخصية، بحيث بات من الممكن الآن للمُقبلين على الزواج اختيار قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 أو مدونة الأحوال الشخصية الجديدة، التي تستند إلى فقه المذهب الجعفري، للحكم في مسائل الزواج والطلاق والإرث والحضانة.  

يمحو القانون الجديد الحق في المساواة أمام القانون، من خلال جعل حقوق الشخص وحمايته مرهونة بالدين وليس بالمواطنة. على سبيل المثال، سترث ابنة أسرة عراقية سنية أرض والديها بعد وفاتهما، في حين تُحرم جارتها الشيعية من هذا الحق.  

أما النساء والفتيات اللواتي تحكمهن الآن مدونة الأحوال الشخصية الجديدة فقد أُلغي العديد من حقوقهن وضمانات حمايتهن. إذ تُسهّل المدونة زواج الأطفال، وتُجرد النساء والأطفال من الحماية عند الطلاق وبعده، وتترك تساؤلات بيروقراطية دون إجابة، مما يعرض الحقوق الأساسية للخطر.  

زواج في عمر صغير بلا حماية تُذكر  

عندما طُرح التعديل لأول مرة في البرلمان في آب 2024، قوبل بردود فعل محلية ودولية غاضبة وفورية بسبب المخاوف من سماحه بزواج فتيات لا تتجاوز أعمارهن تسع سنوات.  

بفضل حملات الضغط المتواصلة التي قادتها منظمات حقوق المرأة العراقية، نصّ النص النهائي للقانون على أن الحد الأدنى لسن الزواج في مدونة الأحوال الشخصية الجديدة لا يمكن أن يتعارض مع ما ورد في قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، الذي يحدد أدنى سن قانونية للزواج بـ18 عاماً، أو 15 عاماً بإذن من القاضي، وبحسب “أهليته [الطفل] وقابليته البدنية”. مع ذلك، يتعارض هذا النص بحد ذاته مع التوافق المتنامي في القانون الدولي الذي يعتبر أن الحد الأدنى لسن الزواج يجب أن يكون 18 عاماً.  

وقتها، اعتبرت منظمات حقوق المرأة إدراج هذا القيد العمري انتصاراً محدوداً لكنه مهم، فقد نجحن في تحويل القانون من سيء جداً إلى سيء فقط.  

لكن بعد ستة أشهر، جاء نص مدونة الأحوال الشخصية الذي أقره البرلمان في آب 2025 ليسمح بالزواج عند “البلوغ”، وهو ما قد يُفسَّر بأنه سن التاسعة أو العاشرة. ربط الأهلية للزواج بالبلوغ يتعارض بشكل مباشر مع “اتفاقية حقوق الطفل”، التي تُعرِّف الطفل بأنه كل من لم يبلغ الـ18، وتُلزم الحكومات بحمايته من الأذى.  

تُعَد زيجات الأطفال شكلاً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، كما يُعَد دولياً ممارسة مضّرة. وغالباً ما يؤدي إلى انتهاك حقوق أخرى، من بينها حق الفتيات المتزوجات في التعليم، والعيش دون التعرض للعنف، والتمتع بالحقوق الإنجابية، والحصول على خدمات الصحة الإنجابية والجنسية، والعمل، وحرية التنقل، والحق في زواج قائم على الرضا.  

أقرّ البرلمان المدونة الجديدة دون أي جهود حقيقية لضمان توافقها مع القانون العراقي أو الدولي. من خلال منح رجال الدين صلاحية إبرام عقود الزواج دون تدخل أو رقابة من الدولة، حوّل التعديل ما كان يُعَد سابقاً تحايلاً غير قانوني إلى ممارسة مشروعة. واليوم، تدفع الفتيات العراقيات ثمن تقاعس البرلمان عن حمايتهن.  

كشف تحقيق لـ”سانداي تايمز” أن تعديل قانون الأحوال الشخصية أسهم في خلق سوق سوداء تستغل الفتيات الأكثر هشاشة، حيث أفاد مصورون وخبراء تجميل وباعة فساتين زفاف في بغداد بانتعاش ملحوظ في قطاع حفلات الأعراس في العاصمة، وعزوا هذا الازدهار الأخير إلى ازدياد عدد الزبونات من العرائس القاصرات.  

فقدان سبل حماية الحقوق في الطلاق والرعاية  

في تشرين الأول 2025، أجرينا مقابلة مع غزال ح.، التي تُظهر قضيتها بوضوح كيف يضر الإطار القانوني الجديد النساء. في كانون الأول 2015، تمكّنت غزال أخيراً من الطلاق من زوجها العنيف، لكن انتصارها كان منقوصاً. فقد خفّض القاضي الذي منحها الطلاق مهرها المؤجل من 50 مليون دينار عراقي (38,100 دولار أمريكي) إلى 25 مليون دينار (19,500 دولار)، مبرراً ذلك بأن غزال “ألحقت ضرراً بزوجها” برفعها قضية عنف أسري ضده.  

مع ذلك، قالت غزال حينها إنها كانت سعيدة بانتهاء الزواج وخروجها منه ومعها ابنها.  

لكن بعد عشر سنوات، وفي 11 أيلول 2025، تلقّت غزال تبليغاً قضائياً يُفيد بأن زوجها السابق أقام دعوى لتطبيق مدونة الأحوال الشخصية الجعفرية بأثر رجعي على عقد زواجهما، لإنهاء وصايتها على ابنهما البالغ من العمر عشر سنوات، وقالت إنه فعل ذلك من دون علمها أو موافقتها.  

بموجب مدونة الأحوال الشخصية تُنقل مسؤولية الرعاية تلقائياً إلى الأب عند بلوغ الطفل سن السابعة، أو في حال زواج الأم مرة أخرى، من دون مراعاة المصلحة الفضلى للطفل حسبما يقتضي القانون الدولي. وتتجاهل هذه القواعد الصارمة الروابط العاطفية، والنمو النفسي، وواقع الرعاية الفعلية للأطفال، ما يؤدي غالباً إلى فصلهم قسراً عن مقدمي الرعاية الأساسيين لهم، ويخلف صدمات نفسية طويلة الأمد.  

كما تتيح هذه الأحكام استخدام الحضانة كأداة للعقاب أو الانتقام من النساء. فقد تتعرض الأمهات لضغوط من أجل البقاء في علاقات مؤذية أو الامتناع عن الزواج مجدداً خوفاً من خسارة أطفالهن، في حين قد يسعى الآباء إلى المطالبة بالحضانة كورقة ضغط في النزاعات الزوجية.  

بدلاً من ذلك، ينبغي أن تستند القرارات المتعلقة بمستقبل الأطفال إلى مصلحتهم الفضلى، بما يشمل الاستماع إلى آرائهم، كما تنص على ذلك المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل، لا أن تستند إلى أعمار ثابتة أو إلى الحالة الزوجية للأم.  

وتزداد هذه الأضرار تعقيداً بموجب المواد من 70 إلى 74 من مدونة الأحوال الشخصية، إذ لا يجوز للقاضي الموافقة على طلب الزوجة الطلاق إلا إذا ادعت الهجر أو عدم النفقة أو تكرار الاعتداء الجسدي. كما يتعين أن تحظى قرارات القاضي بموافقة جهة دينية تملك صلاحية نقض حكمه. وتستبعد هذه النصوص أشكال الإيذاء النفسي والجنسي والاقتصادي، رغم الاعتراف بها على نطاق واسع باعتبارها أشكالاً أساسية من العنف الأسري.  

ومن خلال مطالبة النساء والفتيات بإثبات التعرض لإيذاء جسدي “متكرر” –أمام كل من القاضي والسلطة الدينية– واستبعاد أشكال الأذى الأخرى، يسمح هذا الإطار التشريعي ضمنياً بالعنف في الزواج. فهو يطبّع العنف بوصفه مقبولاً قانونياً إلى أن يتجاوز عتبة غير محددة، بدلاً من تأكيد الحق غير المشروط للنساء والفتيات في السلامة الجسدية والأمان.  

ترفض معايير حقوق الإنسان هذه المنطق رفضاً قاطعاً. بموجب “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” (سيداو) و”التوصية العامة رقم 35″، تُعدّ جميع أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي شكلاً من أشكال التمييز، وتستوجب حماية فورية من الدولة وإتاحة سبل انتصاف فعالة، بما يشمل الطلاق، من دون أعباء إثبات مفرطة. تضع هذه الأحكام العراق في حالة إخلال بالتزاماته الدولية من خلال تقاعسه عن منع العنف، وحماية الضحايا، وضمان الوصول الفعلي إلى العدالة.  

صحيح دينياً، وعديم الجدوى قانونياً  

أصبح نظام الأحوال الشخصية العراقي الجديد حالة استثنائية في منطقة الشرق الأوسط. في مصر، على سبيل المثال، يتمتع المأذونون الشرعيون، بموجب قانون الأحوال الشخصية، بصلاحية إبرام عقود الزواج، لكنهم مُلزمون بتسجيل الزواج في السجلات الرسمية، وتقديم الوثائق إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة؛ بذلك، يعمل رجال الدين كمُسجلين معترف بهم من الدولة، لا كسلطات موازية لها.  

أما في العراق، فقد منح التعديل رجال الدين صلاحيات تضاهي صلاحيات القضاة، من دون أن يفرض عليهم التزامات أو واجبات مماثلة. على عكس القضاة، لا يُطلب من رجال الدين ضمان توثيق الزيجات التي يعقدونها أو جعلها قابلة للتتبع أو إخضاعها للرقابة القضائية. بل إن المدونة تسمح الآن بإبرام الزواج شفهياً من دون شهود أو تسجيل أو حتى حضور رجل دين.  

وتزداد خطورة ذلك بالنظر إلى التبعات اللاحقة لعدم تسجيل الزواج في محكمة الأحوال الشخصية والحصول على شهادة زواج مدنية.  

لا تزال حيازة الوثائق المدنية شرطاً أساسياً للاستفادة من معظم الخدمات العامة وبرامج الحماية الاجتماعية في العراق، بما يشمل التعليم، والرعاية الصحية، والعمل، والبطاقة التموينية، والسكن. ومن دون شهادة زواج مدنية لا تستطيع النساء والفتيات تحديث حالتهن المدنية في وثائق الهوية الرسمية، ما يحرمهن من الخدمات المرتبطة بالحالة الزوجية.  

ولا تزال شهادة الزواج مطلوبة لإجراء الولادة في المستشفيات الحكومية، ولنقل الخدمات الاجتماعية من الزوج المتوفى إلى زوجته، وللاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية، مثل الإعانات الشهرية للأرامل والمطلقات والمهجورات، بموجب قانون الحماية الاجتماعية رقم 11 لسنة 2014.  

وللحصول على شهادة زواج يجب على الزوجين المثول أمام محكمة الأحوال الشخصية، وتقديم شاهدين، وإقرار الطرفين بالزواج، وإقرار الزوجة بحدوث الدخول [إقامة علاقة جنسية بين الزوجين]. وقد تصبح هذه العملية أكثر تعقيداً، أو مستحيلة أحياناً، في حال وفاة الزوج، أو هجره زوجته، أو تطليقها خارج المحكمة، أو إنكاره الزواج من الأساس.  

قبل إقرار التعديل، كانت مشكلات الوثائق المدنية تُثقل كاهل النساء في الزيجات غير المسجلة. ومع التقاعس في ردم الفجوة بين الشرعية الدينية والشرعية القانونية للزواج، من المرجح أن تواجه أعداد أكبر من النساء والفتيات المتزوجات بموجب مدونة الأحوال الشخصية الجديدة تآكلاً متزايداً في حقوقهن في الخدمات الحكومية والحماية الاجتماعية.  

بإقرار هذه المدونة، أعاد العراق حقوق النساء والأطفال عقوداً إلى الوراء، وقد بدأت تتجلى التداعيات السلبية لتجريدهم من الضمانات القانونية، وعلى السلطات العراقية أن تسارع إلى إلغاء هذا القانون.  

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

الأكثر مشاهدة